صفحة رئيسية العلاقات بين الصين ومصر العلاقات الصينية العربية معلومات السفير معلومات السفارة الأوساط المحلية معلومات عامة عن الصين المعلومات العامة عن مصر الأرباط المعنية
    صفحة رئيسية > العلاقات بين الصين ومصر
التنمية في الصين ومسارها في المستقبل
2008/03/30

كلمة السيد دو تشي وين

نائب الوزير لمكتب الشؤون الخارجية للجنة المركزية

للحزب الشيوعي الصيني في المجلس المصري للشؤون الخارجية

(يوم 28 فبراير عام 2008)

سيداتي وسادتي،

       إنه لمن دواعي سروري وغبطتي أن أحل ضيفا على المجلس المصري للشؤون الخارجية المشهور الذي يتيح لي هذه الفرصة لأتبادل وجهات النظر مع الأصدقاء الحاضرين الكرام.

       زرت مصر قبل سبع سنوات على سبيل الترانزيت، حيث قضيت يومين في القاهرة والإسكندرية، كنت وقتئذ سفير الصين في كينيا. كانت الزيارة قصيرة، لكنها تركت لي انطباعات عميقة. إنني أتذكر منذ ذلك الوقت مثلا سمعته من أصدقائي المصريين يقول "اللي يشرب من النيل لازم يرجع تاني". وأخبرني سفيرنا بأن عدد السواح الصينيين إلى مصر في العام الماضي قد تجاوز 100 ألفا سائح، بتضاعف مرتين عما كان عليه في عام 2006. فإنني متأكد أن كثيرا منهم لازم ترجع تاني، مش هم بس، حترجع معاهم أسرهم وأصحابهم وزملاؤهم لشرب النيل الحلو.

       إن الصين ومصر كلتاهما من بلدان الحضارات العريقة، وتربط بينهما أواصر التبادل منذ زمن بعيد. انتشلت سفينة قديمة قبل شهرين من قاع البحر الصيني الجنوبي عمرها 800 سنة تحمل على متنها 60 ألفا قطعة من الأواني الخزفية لعهد أسرة سونغ الصينية، وكثير منها ذات التصاميم والزخارف العربية. تشير الدراسات الأثارية إلى أن هذه الأواني مصنوعة في الصين خصيصا لترويجها في أسواق الشرق الأوسط ودول البحر المتوسط. قد يكون هناك أكثر من ألف سفينة سابتة في قاع البحر الصيني الجنوبي كشواهد صامتة لازدهار التبادل الصيني العربي القديم عبر طريق الحرير البحري.

       إن كلمتي اليوم معنونة بـ"التنمية في الصين ومسارها في المستقبل". طبعا هذا عنوان واسع جدا. فأحاول أن أضعكم في صورة ما تتبناه الصين من طريق التنمية السلمية ومفهوم التنمية العلمية بشكل موجز، حرصا على استغلال الوقت المحدود للتبادل المباشر مع الحاضرين الكرام.

       إن الدورة الـ17 للمؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني المنعقدة في أكتوبر الماضي لفتت أنظار أصدقاءنا في العالم، باعتبارها مؤتمرا هاما في المرحلة الحاسمة لعملية الإصلاح والتنمية في الصين، حيث تم زيادة توضيح الاتجاه والتخطيط التنموي في الصين، ألا وهو الالتزام بالإصلاح، وتوسيع الانفتاح على الخارج، ومواصلة بذل الجهود من أجل إنجاز بناء المجتمع الميسور على نحو شامل قبل عام 2020. في هذا المؤتمر، تم وضع الاستراتيجية التنموية في الصين، والتي يمكن تلخيصها في تحقيق التنمية العلمية والتناغمية والسلمية. أكد المؤتمر على أن الصين ستلتزم بعزيمة لا تتزعزع بطريق التنمية السلمية واستراتيجية الانفتاح القائم على المنافع المتبادلة والفوز المشترك، وتعمل على المساهمة في بناء عالم متناغم ينعم بالسلام الدائم والازدهار المشترك.

       إن طريق التنمية السلمية في الصين يتمثل في جوهره في تحقيق التنمية الذاتية من خلال صيانة السلام العالمي من ناحية، والمساهمة في صيانة السلام العالمي من خلال تحقيق التنمية الذاتية من ناحية أخرى. إن الصين تعتمد في المقام الأول على قدرات نفسها وعملية الإصلاح والإبداع في تحقيق تنميتها المرجوة، وفي نفس الوقت، تتمسك الصين بالانفتاح على الخارج. إن هدفنا هو مشاركة دول العالم في الاستفادة من الفرص التنموية المتاحة والتضامن معها في مواجهة التحديات المطروحة، بما يدفع قضية السلام والتنمية السامية للبشرية جمعاء.

       أشار دنغ شياو بينغ في الثمانينات للقرن الماضي إلى أن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية هي اشتراكية تهدف إلى تطوير القوة الإنتاجية على الصعيد الداخلي، وتدعم السلام على الصعيد الخارجي. أعلن هو جين تاو في تقرير الدورة الـ17 أن الصين تعارض نزعة الهيمنة وسياسة القوة بكل أشكالها، ولن تمارس أبدا الهيمنة أو التوسع. إن الصين تتبنى استراتيجية الانفتاح القائم على المنافع المتبادلة والفوز المشترك، فلن تفعل أي شيء لمصلحتها على حساب مصلحة غيرها، ولن ترمي ما لا يحلو لنفسها على عاتق الدول الأخرى.

       تلتزم الصين في علاقاتها الخارجية بتفعيل التعاون المشترك مع كافة الدول على أساس المبادئ الخمسة للتعايش السلمي. تشارك الصين بجدية في الشؤون متعددة الأطراف، وتلعب دورا بناءا هاما في دفع القضية النووية الكورية والقضية النووية الإيرانية وقضية دارفور وغيرها نحو الحل السلمي. إن الصين تعتبر قوة هامة لصيانة السلام والاستقرار على المستوى الإقليمي والعالمي، فإن التنمية في الصين تمثل تعزيزا للقوة الداعمة للسلام، الأمر الذي قد أثبتته وستثبته تطورات الأوضاع العالمية.

       تصادف هذه السنة الذكرى السنوية الـ30 لبدء عملية الإصلاح والانفتاح في الصين. على مدى السنوات الـ30 المنصرمة، شهد الاقتصاد الصيني نموا متسارعا، وارتفع مستوى معيشة الشعب الصيني بشكل ملحوظ. في الفترة ما بين عام 1978 وعام 2006، سجل معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الصين 9.67%. وبالنسبة إلى معيشة الشعب، فخرجت البلاد من دوامة مشكلة الغذاء والكساء، ودخلت عتبة الحياة الميسورة. وتم تقليص عدد الفقراء في الأرياف من 250 مليون نسمة إلى مليونين نسمة. بالإضافة إلى ذلك، تزداد الاتصالات وأعمال التعاون بين الصين والعالم الخارجي عمقا واتساعا. في العام الماضي، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ودول العالم 2.17 ترليون دولار أمريكي، ما يحتل المرتبة الثالثة في العالم.

       إن الإنجازات المحققة في الصين هي نتائج التزامنا بطريق التنمية السلمية، كما هي نتائج التزامنا بالانفتاح على الخارج والمشاركة الشاملة في التعاون والتنافس الدوليين. في هذه العملية، قدمت الصين مساهمات لدفع التنمية والازدهار على المستوى الإقليمي والعالمي من خلال تنميتها الذاتية.

       قد أصبحت الصين محركا هاما لدفع النمو الاقتصادي العالمي. في السنوات الأخيرة، ظل معدل مساهمة الصين في النمو الاقتصادي العالمي ما فوق 10%. في العام الماضي، بلغ معدل المساهمة الصينية 17%، لتجاوز نصيب الولايات المتحدة لأول مرة. في الوقت الحالي الذي يتزامن فيه التدهور المستمر للاقتصاد الأمريكي والاضطرابات المالية العالمية، والقلق العام تجاه أفق الاقتصاد العالمي، لا شك في أن النمو القوي في الصين والكيانات الاقتصادية الناشئة بما فيه مصر يكتسب أهمية بالغة بالنسبة إلى التنمية الاقتصادية العالمية.

       قد أصبحت الصين قوة هامة لدفع نمو التجارة العالمية. في الفترة ما بين عام 2003 وعام 2006، تجاوز معدل مساهمة الصين في نمو التجارة العالمية 15%، ما يساوي معدل المساهمة الأمريكية. في العام الماضي، بلغ حجم التجارة الخارجية للصين 2.1738 ترليون دولار أمريكي، بزيادة قدرها 23.5%. من المتوقع أن يوفر الاستيراد الصيني السنوي المتجاوز ترليون دولار أمريكي سوقا ضخما لشركائها التجاريين في السنوات القادمة.

       قد أصبحت الصين مكونا مهما من مكونات النهوض العام للدول النامية. إن النمو القوي لاقتصاد عدد كبير من الدول النامية بما فيه القارة الإفريقية يوفر آفاقا وإمكانيات جديدة لتوسيع التعاون القائم على المنافع المتبادلة بين الدول النامية. في السنوات الأخيرة، تزداد وتيرة التبادل والتعاون بين الصين والدول النامية في كل المجالات. إن منتدى التعاون الصيني الإفريقي ومنتدى التعاون الصيني العربي باعتبارهما من محافل الحوار والتعاون الجماعي بين الدول النامية يظهران حيوية كبيرة. بهذه المناسبة، يطيب لنا أن نسجل شكرنا وامتناننا لمصر الصديقة على مساهماتها في دفع العلاقات الصينية الإفريقية والعلاقات الصينية العربية.

إن الصين تؤمن بالمنافع المتبادل والفوز المشترك في التعاون الدولي، وتعمل على توسيع القواسم المشتركة لمصالح الأطراف المختلفة، وتوفيق التنمية الذاتية للدول مع المصالح والاعتبارات لشركاء التعاون. لا تتفق الصين فيما يسمى بلعبة محصلة صفر والسعي وراء مصلحة جانب واحد دون الأخذ باعتبار الآخرين. إن الناس يتحدثون كثيرا عن تغيرات العالم. نرى أن العالم أصبح أصغر فأصغر فعلا، ويزداد الاتصالات والاعتماد المتبادل بين الدول أوثق فأوثق، وهناك مشاكل وتحديات أكثر فأكثر تتطلب تعاون الدول. فإن العالم قد أصبح إلى حد ما كيانا موحدا للمصالح المشتركة. لا يمكن النظر إلى العالم ومعالجة العلاقات الدولية بالأسلوب الدارج في القرن الـ18 أو الـ19، أو بأفكار الحرب الباردة في القرن الماضي. إن الدول النامية الغفيرة تستحق مزيدا من التعاون على قدم المساواة، ومزيدا من المساعدات الملموسة والفعالة، بدلا من الانتقادات التي تتناقض مع الواقع.

سيداتي وسادتي،

إنه على الرغم من أن الصين شهدت تغيرات كبيرة على مدى السنوات الـ30 الماضية منذ بدء الإصلاح والانفتاح، غير أن الصين مازالت دولة نامية،  ولم يحصل تغير أساسي في ظروفها المتمثلة في كثرة عدد السكان وضعف الأسس الاقتصادية وعدم تطور القوة الإنتاجية. مع أن حجم الاقتصاد الصيني كبير نسبيا، لكن متوسط النصيب الفردي للناتج المحلي الإجمالي مازال بعد المرتبة الـ100 في العالم. أظهرت كارثة الجليد والثلج التي ضربت جنوب بلادنا في الشهر الماضي أن مازال هناك كثيرا من الحلقات الضعيفة في البنية الأساسية والإدارة الاجتماعية والقدرات على معالجة الطوارئ. وتواجه الصين كثيرا من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، بما فيه زخم توسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء والفجوة بين المدن والأرياف والفجوة بين المناطق المختلفة، بالإضافة إلى قيود الموارد والبيئة على عملية التنمية. تحرص حكومة الصين على حوصلة التجارب التنموية والاستفادة من الخبرات التنموية من الدول الأخرى، وطرحت على هذا الأساس مفهوما جديدا للتنمية. ألا وهو مفهوم التنمية العلمية القائمة على وضع الإنسان في المقام الأول وتحقيق تنمية شاملة ومتناسقة ومستديمة.

       إن مفهوم التنمية العلمية يتمثل في جوهره في وضع الإنسان في المقام الأول، والتأكيد على أن التنمية من دعم الشعب، والتنمية في خدمة الشعب، وتمكين المواطنين الصينيين البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة من الاستفادة الكاملة والمتساوية من إنجازات التنمية والإصلاح. إن مفهوم التنمية العلمية تؤكد على أن التنمية لا بد أن تكون شاملة، بمعنى لا تقتصر في التنمية الاقتصادية، إنما تأخذ الأبعاد الشاملة بما فيه التنمية السياسية والثقافية والاجتماعية والبيئية، ولا بد أن تكون التنمية متناسقة بمعنى التناسق والتوازن بين مختلف جوانب التنمية وحلقاتها. ولا بد أن تكون التنمية مستديمة، بمعنى ترشيد استغلال الموارد وحماية البيئة حتى تتمكن الأجيال القادمة من تحقيق التنمية المستمرة. كما يتطلب مفهوم التنمية العلمية "خمسة توازنات"، ألا وهي التوازن بين التنمية في المدن والأرياف، والتوازن بين التنمية في المناطق المختلفة، والتوازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتوازن بين التنمية الداخلية والانفتاح على الخارج، والتوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.

       إن النقطة الحاسمة للتوازن بين التنمية في المدن والأرياف هي تعزيز التنمية الريفية ومعالجة المشاكل التي تهم مصالح الفلاحين. وإن النقطة الحاسمة للتوازن بين التنمية في المناطق المختلفة هي مساعدة المناطق الداخلية والمتخلفة اقتصاديا في الإسراع بخطوات التنمية. وإن النقطة الحاسمة للتوازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي تحسين معيشة الشعب ودفع البناء الاجتماعي. وإن النقطة الحاسمة للتوازن بين تنمية البشر والطبيعة هي زيادة تشجيع حسن استغلال الموارد وحماية البيئة. وإن النقطة الحاسمة للتوازن بين التنمية الداخلية والانفتاح على الخارج هي الالتزام بالانفتاح على الخارج كالسياسة المقررة والمشاركة في عملية العولمة الاقتصادية على مستوى أعلى.

       كيف يمكن معالجة العلاقة بين العدل والفعالية والعلاقة بين السوق والمجتمع؟ وكيف يمكن التوفيق بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وحماية البيئة لتحقيق التنمية المتناسقة؟ فقد تعتبر كل هذه الأسئلة قضايا عامة وأساسية تواجه كافة دول العالم. إن مفهوم التنمية العلمية هو الجواب الذي وجدته الحكومة الصينية لهذه الأسئلة انطلاقا من ظروف الصين المتاحة.

سيداتي وسادتي،

إن عملية التنمية في الصين على السنوات الـ30 الماضية هي عملية توسيع الانفتاح على الخارج بشكل مستمر، وتعلم والاستفادة من تجارب الدول الأخرى ومواصلة الإصلاح في الانظمة والآليات. إنني في هذه الزيارة إلى القاهرة بعد 7 سنوات من الفراق، أشعر بأن هذه المدينة أصبحت أجمل وأكثر حيوية. فأتطلع إلى التعرف إلى الإنجازات التنموية عندكم وتجاربكم من خلال هذه الزيارة.

أكتفي بهذا القدر من الكلمة نظرا للوقت المحدود، وشكرا.

 

أخبر صديقك
  أبدي رأي إطبع هذه الورقة