صفحة رئيسية العلاقات بين الصين ومصر العلاقات الصينية العربية معلومات السفير معلومات السفارة الأوساط المحلية معلومات عامة عن الصين المعلومات العامة عن مصر الأرباط المعنية
    صفحة رئيسية > العلاقات بين الصين ومصر
مصر والصين: تجارب وخبرات مشتركة
2009/05/26

ألقى د. السيد أمين شلبي المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية كلمة حول العلاقات المصرية الصينية في الندوة التي أقامته جمعية الصداقة المصرية في يوم 2 مايو الجاري وفيما يلي نص الكلمة:

المتتبع للعلاقات الصينية المصرية على مدى قرابة الحقب الخمس الماضية سوف يستوقفه عدد من التجارب و الخبرات المشتركة على المستويين الدولي و الداخلي و التى تقدم أساسا متينا لعلاقات البلدين و إمكانيات تطورها .

 وبداءة فلم يكن اعتراف مصر بجمهورية الصين الشعبية و إقامة علاقات دبلوماسية معها في مايو عام 1956 حدثا عاديا أو خطوة سهلة بمعايير الوضع الدولي آنذاك و علاقات القوى فيه . فقد أقدمت مصر على هذه الخطوة في وقت كانت تحتدم فيه المنافسة العالمية بين المعسكرين المتصارعين على النفوذ و المكانة فى العالم , و كانت الصين الشعبية بانضمامها الى المعسكر الاشتراكى بزعامة الاتحاد السوفيتي قد أضافت له بحجمها البشرى و إمكانياتها ثقلا دوليا و استراتيجيا . كما جاءت الخطوة المصرية فى وقت كانت فيه الصين الجديدة تتعرض لمقاطعة الولايات المتحدة و محاولات حصارها و عزلها دوليا , و لذلك لم يكن غريبا ردود الفعل الغاضبة التى صدرت عن الولايات المتحدة تجاه الخطوة المصرية و التى راى فيها جون فوستر دالاس وزير الخارجية الامريكى دليلا اكثر على ان مصر ( قد انضمت الى معسكر العدو ) و فى اليوم التالى للخطوة المصرية أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها ستعيد النظر في العلاقات المصرية الأمريكية , و الواقع انه حتى قيام علاقات رسمية كاملة بين القاهرة و بكين فان البلدين و زعامتهما قد التقيا حول رؤية مشتركة للوضع الدولي و قواه و بشكل خاص حول تيار القومية الأفريقية الآسيوية الناهض و الذى تبلور فى اجتماع باندونج فى ابريل عام 1955 .

 و يستوقف النظر ان يجد جمال عبد الناصر رجل الدولة الصينى الصاعد آسيويا و دوليا شواين لاى فى استقباله فى مطار رانجون فى 15 ابريل و هما فى طريقهما الى باندونج . يستوقف النظر مدى الثقة التى تأسست بين الزعيمين خلال هذا اللقاء و بشكل يجعل جمال عبد الناصر يطلب من شواين لاى ان يجس نبض السوفيت حول تزويد مصر بالسلاح و هو الطلب الذي تساءل معه الزعيم  الصينى بشكل كيس " ان كانت مصر مستعدة للتعقيدات التى ترتبها هذه الخطوة فى علاقاتها مع الولايات المتحدة و الغرب "

واذا تعدينا هذه الفترة المبكرة من استهلال علاقات مصر مع الصين الجديدة الى المراحل التى تطورت فيها عبر علاقات الحرب الباردة بين القوتين العظميين عندئذ , فسوف نلاحظ عددا من التشابهات فى إدارة كل من مصر و الصين لعلاقاتهما مع القوتين و ما اخذته من أشكال و ربما المواجهة او إعادة ترتيبها و توجيهها نحو التفاهم و التعاون .

فعقب تحقيق الصين الشعبية ثورتها عام 1949 مرت بتجربة مريرة مع الولايات المتحدة على مدى 25 عاما تبنت فيها واشنطن سياسة عدم الاعتراف ببكين و التهديد العسكري و الاحتواء السياسي و الحصار الاقتصادى و انكار تمثيلها فى الامم المتحدة , و لم يرجع هذا العداء إلا مع بداية السبعينات و مجىء ادارة نيكسون بادراك لعقم سياسة تجاهل الصين ) و كذلك فى اطار استخدام ( الورقة الصينية ) فى عملية اعادة ترتيب العلاقات الأمريكية السوفيتية فى نقلها من المواجهة الى التفاوض , اما مصر فقد مرت بعد ثورة 23 يوليو بعلاقات مضطربة مع الولايات المتحدة نتيجة لاختياراتها لمواقف مستقلة تعتمد على عدم الدخول فيما كان يراد للمنطقة من ترتيبات و نظم امنية رآها قادة تورة يوليو انها  ليست من اولوياتهم و لا تعكس التحديات الحقيقية التى تواجه منطقتهم . هذا فضلا عن بعث مصر للتيار العربي القومي و مضامينه المعارضة للتداخلات و النفوذ الاجنبى , غير انه مثلما شهدت بداية السبعينات بداية تحول علاقات بكين مع الولايات من العداء و الخصومة الى التلاقى و التعاون , كذلك بدا التيار يتحول فى علاقات مصر لاختيارتها و توقعها دخول المنطقة مرحلة جديدة تعتمد على الحوار و التفاوض و تقييمها للدور الامريكى فى مثل هذه العملية .

اما على مستوى علاقات مصر و الصين مع الاتحاد السوفيتي السابق , فثمة تشابهات يمكن للمتابع ان يرصدها , فبعد تحالف وثيق و شامل بين بكين و موسكو منذ بداية الخمسينات بدأت مع نهاية الحقبة مظاهر التشقق فى هذه العلاقة حول قضايا سياسية و أيديولوجية تتصل بدور موسكو فى توجيه و قيادة العالم الاشتراكي , و التطبيق الاشتراكي  و مفاهيم الماركسية الليتينية و قضايا الحرب و السلام , و امتلاك الصين لقوة نووية و خلافات على الدور . و كان جوهر هذه الخلافات هى رؤية الصين لنفسها و انها اكبر من ان تستوعب او توجه من قيادة او مركز آخر , و هى الخلافات التى تطورت الى مستوى الصدام العسكرى على الحدود فى مارس 1969 ثم الى المستوى الذي أصبح معه تصور الصين للتهديدات السوفيتية اكبر من اى تهديد آخر . و قد استمرت حالة التوتر فى العلاقات الصينية السوفيتية حتى مجيء جوربا تشوف فى عام 1985 . ثم زيارته للصين ضمن سياسته الخارجية الجديدة و حاجته إلى توفير بيئة دولية و اقليمية سلمية و تعاونية لمشروعه فى اعادة بناء الاتحاد السوفيتى داخليا .

اما مصر و علاقاتها مع الإتحاد السوفيتى فقد  سجلت الفترة منذ منتصف الخمسينات حتى اوائل السبعينات مستوى عاليا من العلاقات السياسية و الاقتصادية و العسكرية . و رغم ظهور بعض الغيوم التي سبقت حرب اكتوبر الا ان ذلك لم يمنع مصر من عقد اتفاقية تعاون و صداقة بين البلدين , و لم يمنع الاتحاد السوفيتي ان يخاطر بعلاقاته مع الولايات المتحدة بسبب دعمه السياسي و العسكري لمصر .غير أن هذه المرحلة الايجابية في علاقة مصر و الاتحاد السوفيتى شهدت تراجعا مع منتصف السبعينات و كان وراء هذا التراجع , من ناحية , تمسك مصر برؤيتها و اختياراتها فيما يتعلق بشئونها الداخلية و الإقليمية , و من ناحية أخرى ,تحفظات الاتحاد السوفيتي على اتجاه عملية السلام فى الشرق الاوسط خاصة انها كانت تعطى ثقلا أكثر للولايات المتحدة فى توجيه  شئون المنطقة و صياغة مستقبلها بعيدا عن المشاركة السوفيتية . و قد استمر هذا التراجع ووصل الى حد القطيعة حتى عام 1985 حين بدأت هذه العلاقات تأخذ اتجاها ايجابيا تقوم على المصالح المتبادلة و احترام اختيارات مصرو قد قوى هذا الاتجاه مجيء زعامة جورباتشوف في الإتحاد السوفيتي و سياسته الجديدة خاصة تجاه الأوضاع و المنازعات الإقليمية و الدولية ,  و مع الزعامة الجديدة فى مصر و اتجاهها الواضح الى احداث توازن فى علاقات مصر الإقليمية و الدولية و تصحيح الاختلالات التى حدثت فيها خلال السبيعنات عربيا و دوليا . اما فى الأوقات التى اتجهت فيها القوتان العظيمان الى بث الاستقرار فى علاقاتهما و بناء علاقات وفاق و تعاون فان كلا من مصر و الصين قد رحبا بذلك و كلاهما ااشترطا الا يتم على حساب مصالح القوى الصغيرة و المتوسطة و ألا يمثل هذا اتفاقا على الهيمنة على العالم ( راجع موقف مصر من البيان المشترك لمؤتمر القمة الامريكى السوفيتى عام 1982 حول الشرق الاوسط ) .

غير ان الخبرات المشتركة لكل من مصر و الصين لم تقتصر على الوضع الدولى و على ادارة علاقاتهما مع القوتين العطميين . و انما يمكن القول ان البلدين و منذ منتصف السبيعنات تمران بتجربة تطوير و إعادة تكييف نظمهما و سياساتهما الاقتصادية و الاجتماعية بشكل يتجاوب مع تقيمهما لما وصلت اليه تجارب و مراحل النمو فيهما و كذلك مع اتجاه التطور فى القوى الاقتصادية و التكنولوجية العالمية .

فمع نهاية السبيعنات و فى ظل الزعامة الجديدة لدنج هسياوبنج بدأت الصين عملية عميقة الأثر اعتمدت على التحديات الأربعة و فى إطار من الإصلاح الاقتصادي و السياسي و استفادتها من أدوات و أساليب اقتصاديات السوق جنبا الى جنب مع أشراف الدولة و التخطيط الاشتراكي و تعدد قطاعات الاقتصاد فى منح الصين للرأسمال و المعرفة التكنولوجية الخارجية . و قد ادى هذا التحول الى احداث ما يشبه المعجزة الاقتصادية و معدلات نمووصلت الى 10% و بلغت 13%فى بعض المناطق الساحلية . و اصبحت الصين ثالث اقتصاد عالمى و قوة تصديرية تقع فى المرتبة الحادية عشر فى العالم و اجتذبت 40 بليون دولار استثمارات خارجية , غير ان هذا الانجاز الاقتصادى لم يكن بلا ثمن خاصة على المستوى الاجتماعي و الاستقرار , فقد صاحب هذا التطور الاقتصادي ظهور جوانب سلبية بدت فى الفجوة بين الفقر و الغنى على مستوى الأفراد و مستوى المناطق , و بين الريف و المدن , و فى ظل الإصلاحات الاقتصادية تجلت أوضاع الشركات الحكومية المريضة بديونها و عمالتها الفائضة و أوضاعها المالية الخاسرة , كما كانت من الأمراض الاجتماعية التي بدت مظاهر الفساد الادارى و المالى التى طفت على المجتمع الصيني و مؤسساته . وفى العاشر من نوفمبرمن عام 2001 , قبلت الصين فى المنظمة العالمية للتجارة TWO  و هى المنظمة التى اصبح من المتفق عليه انها توجه و تدير العلاقات الاقتصادية و التجارية العالمية . وجاء انضمام الصين الى المنظمة العالمية لكى يمثل قمة اندماجها فى الاقتصاد العالمى , و مثلما يحمل لها هذا الانضمام من فرص ووعود مثل تدفق الاستثمارات و التكنولوجيا العالمية و ترشيد مؤسساتها الجمركية و المصرفية ,فانه يحمل ايضا مخاطر و تحديات و خاصة فى مجال العمالة و مصير شركاتها و مؤسساتها غير التنافسية .

اما فى مصر فقد شرعت كذلك فى منتصف السبعينات فى مشروعها لنقل اقتصادها من الاعتماد على التخطيط المركزي وإشراف الدولة وسيطرة القطاع العام الى إدخال أدوات السوق وفتح الاقتصاد لمشاركة القطاع الخاص وجذب الاستثمارات والتكنولوجيا الخارجية. غير اننا لابد ان نلحظ اختلافا فى مستوى انجاز هذا التطور فى كلا البلدين، فينما حققت الصين انجازا ملموسا فى معدلات التنمية وبناء القاعدة العلمية والتكنولوجية المستقلة، فإن هذا لم يتحقق بالشكل الكافى فى التجربة المصرية. اما أوجه التشابه بين التجربتين فتبدو فيما بدا ايضا فى الخبرة المصرية من ظهور تفاوتات اجتماعية وأخطار البطالة ومظاهر من الفساد المالي والادارى. هذا فضلا عن التعرض للتحديات التي يمثلها الاندماج في الاقتصاد العالمي والمتطلبات والقواعد التي يفرضها الانضمام الى منظمات مثل منظمة التجارة العالمية، وشراكة مع بعض التكتلات كما هو الحال مع الشراكة المصرية الاوروبية.

دولتان لهما مثل هذا الرصيد من الخبرات والتجارب المشتركة، كان لابد ان تكون لهما رؤية استراتيجية مشتركة وهما مقبلتان على القرن الحادى والعشرين، وهى الرؤية التى انعكست فى البيان المشترك الذى صدر عن زيارة الرئيس حسنى مبارك للصين فى الفترة من 5-9 ابريل عام 1999 و الذى تضمن الاعلان عن اقامة علاقات تعاون استيراتيجى بين البلدين على المستوى الثنائى و الدولى , فعلى المستوى الثنائى اعربت مصر و الصين عن انهما سيعملان على مواصلة توسيع التعاون الاقتصادى و التجارى . و تحقيق التكامل فى المزايا النسبية لكل منهما بما يجعل كلا منهما شريكا مهما للآخر فى مجال الاقتصاد و التجارة , ووعد الجانبان بالإسراع بالعمل فى مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة شمال غرب السويس فى مصر و غيرها من المشروعات المشتركة , و تشجيع الشركات و المؤسسات فى البلدين على تكثيف التعامل و دعم الاستثمار و تعزيز التبادل و التعاون فى المجالات الصناعية و الزراعية و العلمية و التكنولوجية و السياحية و تقديم التسهيلات اللازمة للنشاطات الاقتصادية و التجارية المعنية التى تجرى بين الشركات و المؤسسات و الهيئات العاملة فى المجالات .

اماعلى المستوى الدولى فقد تطلعت الدولتان الى اقامة نظام سياسى و اقتصادى عالمى يقوم على أساس عادل و منصف , يتعزز فيه التضامن بين الدول النامية و العمل على تضييق الفجوة بين الدول المتقدمة و النامية , و دعم دور الأمم المتحدة و توسيع عضوية مجلس الأمن على اساس من التوازن الاقليمى و الجغرافى , و تحقيق سلام شامل و عادل فى المنطقة على اساس من قرارات الشرعية الدولية و مرجعية مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام و ما تحقق من اتفاقيات .

كما اكد الجانبان فيما يتعلق بالشرق الاوسط على المطالب و المقترحات الخاصة باخلاء منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل , كما اكد تأييدهما للدول الافريقية فى سعيها للاستقلال و التنمية الاجتماعية الاقتصادية و ناشدا المجتمع الدولى ان يولى القارة الافريقية الاهتمام الواجب و المساعدة الاقتصادية .

والواقع ان هذه الرؤية المشتركة و جدول اعمالها تتطلب جهدا متصلا من اجهزة و مؤسسات ووزارات البلدين , و اتصالا و تنسيقا منتظما بينها لنقل هذه الرؤية الى الواقع و خاصة فيما يتعلق بعلاقاتهما الثنائية فى مجالاتها المختلفة و لكى ترقى هذه العلاقات الى المستوى الممتاز لعلاقات البلدين السياسية .   

أخبر صديقك
  أبدي رأي إطبع هذه الورقة